“عبد الرحيم محمود” قلم شاعر.. وبندقية ثائر

لم يكن النشاط الأدبي والشعري في فلسطين بمعزل عن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني، حيث لعب الشعراء والأدباء الفلسطينيون دوراً أدبياً وسياسياً ونضالياً بارزاً، وكان لهم بصمةٌ واضحةٌ وموقفٌ واعٍ تجاه كافة القضايا الوطنية المفصلية التي مرت بها فلسطين عبر مختلف المراحل والعصور، حتى أضحت دواوين الشعراء الفلسطينيين تمثل دائرة واسعة من دوائر التوثيق والتحليل والمتابعة لكافة تفاصيل القضية الفلسطينية، ومرصداً هاماً لكافة الظروف والملابسات وألوان المعاناة التي مر بها الإنسان الفلسطيني، ويمكننا القول إن الشعر الفلسطيني نجح في أن يجعل من نفسه مصدراً أساسياً من مصادر دراسة القضية الفلسطينية بكافة أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنضالية.
وفي هذا التقرير نستعرض محطات هامة من حياة شاعر من شعراء فلسطين الذين حملوا البندقية إلى جانب القلم للدفاع عن وطنهم السليب.
عبد الرحيم محمود هو مناضل وشاعر فلسطيني، ولد عام 1913 في قرية “عنبتا” قضاء طولكرم في الضفة الغربية، وارتقى شهيداً عام 1948، لقب بـ “الشاعر الشهيد” وذلك قبل أن يستشهد نسبة إلى قصيدته “الشهيد” ويقول مطلعها:
سأحمل روحي على راحتي
وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياةٌ تسر الصديق
وإما مماتٌ يغيظ العدى
ولد الشاعر في كنف أسرة مثقفة وملتزمة دينياً ووطنياً، وكان والده من أبرز شيوخ القرية مما أثر إيجابياً على شخصية الطفل، وغرس في نفسه حب الدين والعلم، وتوفى والده وهو لم يبلغ السادسة بعد، فعانى من وجع اليتم منذ طفولته.
تلقى دراسته الابتدائية في مدراس القرية، ودرس المرحلة الثانوية بمدرسة النجاح، حيث تتلمذ على يد الشاعر الكبير إبراهيم طوقان ونخبة من الأساتذة المميزين الذي زرعوا فيه حب العلم والمعرفة، والارتباط بالوطن والثورة ورفض الظلم والاستبداد، وبعد تخرجه تم تعينه مدرساً للغة العربية وآدابها في نفس المدرسة.
وفي العام 1936 اشتعلت الثورة الكبرى في ربوع فلسطين فقام الشاعر الشاب عبد الرحيم محمود بتقديم استقالته من مدرسة النجاح وانخرط في صفوف الثوار، ونذر نفسه فداءً للوطن، واستمر يكتب الشعر الحماسي الذي يحث فيه أبناء شعبه على الجهاد من أجل نيل حقوقهم الوطنية وقال في إحدى قصائده:
واغصب حقوقك لا تستجدها
إن الألى سلبوا الحقوق لئام
هذي طريقك للحياة فلا تحد
قد سارها من قبلك القسام
وبعد أن خمدت ثورة فلسطين طاردته قوات الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية، فهاجر إلى العراق ومكث هناك ثلاث سنوات عمل خلالها مدرساً للغة العربية، والتحق بالكلية الحربية ببغداد، وتخرج فيها برتبة ملازم، وشارك مع المجاهدين العرب في ثورة الكيلاني في العراق ضد الاستعمار البريطاني.
وبعد أن هدأت الأوضاع في فلسطين لانشغال بريطانيا بالحرب العالمية الثانية عاد عبد الرحيم محمود إلى بلاده واستأنف عمله معلما بمدرسة النجاح الوطنية.
وبعد صدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947 اشتعلت الثورة الفلسطينية مجدداً، فقرر شاعرنا أن يواصل كفاحه من أجل تحرير وطنه، فتوجه إلى بيروت، ثم إلى الشام ليتلقى تدريبات عسكرية على القتال وانضم إلى جيش الانقاذ، ودخل إلى منطقة بلعا بفلسطين واشترك في معركة بيار عدس مع سرِية من فوج حطين، وشارك في عدة معارك منها معركة رأس العين ومعركة بيار عدس، وفي إبريل 1948 عين آمراً للانضباط في منطقة طولكرم، ثم مساعداً لآمر الفوج في الناصرة.
واستشهد شاعرنا بعد أن قاتل ببسالة في معركة الشجرة 13 يوليو 1948 حيث أصابته قذيفة في عنقه، وكان يردد وهو محمول على أكتاف رفاقه:
احملوني احملوني
واحذروا ان تتركوني
وخذوني ولا تخافوا
وإذا مت ادفنوني
كتب شاعرنا بقلمه الثائر عشرات القصائد الوطنية كتبها بين عامي 1935-1948 جمعتها لجنة من الأدباء بعد استشهاده بعشر سنوات وصدر ديوانه في عمان عام 1958 ويضم 27 قصيدة من أهم ما كتبه في عمره القصير المليء بالكفاح والنضال، ويحفظ عشرات الآلاف من الفلسطينيين والعرب شعره الذي يتمتع بنظرة ثاقبة لمستقبل فلسطين الأليم الذي تحقق بعد استشهاده.